في السنوات الأخيرة، أصبح التحول نحو السيارات الكهربائية أمرًا محوريًا في صناعة السيارات العالمية. لم يعد التركيز مقتصرًا على البطاريات والمحركات فقط، بل أصبح العنصر الحاسم هو البرمجيات والبنية الإلكترونية الذكية التي تتحكم بجميع وظائف السيارة. في هذا السياق، أطلقت BMW منصة BMW Neue Klasse، وهي منصة سيارات كهربائية جديدة تعتمد بشكل أساسي على البرمجيات كنواة أساسية للتحكم، مع إمكانية تحديث الوظائف عبر الإنترنت، لتصبح السيارة أكثر ذكاءً ومرونة.
تأتي شراكة BMW مع Infineon Technologies لتوفير أشباه الموصلات ووحدات التحكم الإلكترونية المتقدمة، لتكون العمود الفقري لهذه المنصة الحديثة. هذه الشراكة ليست مجرد توفير قطع إلكترونية، بل تمثل إعادة تعريف كاملة لكيفية تصميم السيارات الكهربائية بحيث تصبح قابلة للتحديث والتحسين المستمر، وتوفر مستوى أمان وتجربة قيادة متطورة لم يسبق وجوده في السيارات التقليدية أو حتى بعض السيارات الكهربائية السابقة.
1. نظرة عامة على منصة BMW Neue Klasse
منصة BMW Neue Klasse هي الجيل القادم من سيارات BMW الكهربائية، وتهدف إلى تغيير طريقة تصميم السيارات الكهربائية بالكامل. المنصة الجديدة لا تركز فقط على البطارية والمحرك، بل تشمل:
- بنية كهربائية متكاملة (E/E Architecture): شبكة إلكترونية حديثة تربط كل وحدات السيارة المختلفة، من المحرك إلى أنظمة الراحة والترفيه، بطريقة متكاملة وسريعة.
- التحكم عبر البرمجيات: كل الوظائف الأساسية للسيارة يتم إدارتها بواسطة برامج ذكية بدلاً من الاعتماد على وحدات ثابتة.
- تحديثات Software‑Over‑The‑Air (SOTA): يمكن ترقية وتحسين أداء السيارة عن بعد عبر الإنترنت دون الحاجة لزيارة مركز صيانة.
- كفاءة الطاقة وتقليل الوزن: تصميم ذكي يقلل طول الأسلاك ويخفف من الوزن الكلي للسيارة، ما يزيد من مدى القيادة ويخفض استهلاك الطاقة.
هذا المزيج من البنية المتطورة والبرمجيات القابلة للتحديث يجعل من منصة Neue Klasse مثالاً على مفهوم Software‑Defined Vehicle، أي السيارة التي تحدد خصائصها ووظائفها عبر البرمجيات بشكل رئيسي، مع إمكانية تحسين الأداء بشكل مستمر.

2. دور Infineon: العمود الفقري الإلكتروني للسيارة
شركة Infineon Technologies، الرائدة في مجال أشباه الموصلات للسيارات، تقدم حزمة متكاملة من المكونات الإلكترونية لمنصة Neue Klasse. دور Infineon يتجاوز مجرد توفير القطع، ليشمل:
- Microcontrollers من سلسلة AURIX وTRAVEO: تتحمل هذه المعالجات وظائف حرجة مثل الديناميكيات، التوجيه، المكابح، والقيادة الذاتية.
- حلول Ethernet عالية السرعة BRIGHTLANE: تربط بين جميع وحدات التحكم داخل السيارة بسرعة منخفضة التأخير، ما يضمن تواصلًا سلسًا بين مختلف الأنظمة.
- ICs لإدارة الطاقة OPTIREG: تتحكم بالكفاءة الكهربائية للطاقة المرسلة لكل جزء من السيارة، مع ضمان استقرار الفولتية وتقليل الفاقد الكهربائي.
- eFuses ومفاتيح الطاقة الذكية: تحل محل الفيوزات التقليدية وتسمح بالتحكم البرمجي في جميع الدوائر الكهربائية.
- معالجة مركزية “Superbrains”: أربع وحدات حاسوبية عالية الأداء تشكّل دماغ السيارة للتحكم في كل الوظائف بشكل متكامل.
بهذه الحلول، تستطيع البرمجيات التحكم في كل جانب من جوانب السيارة: من التسارع والكبح إلى توزيع الطاقة وتحسين أداء البطارية، مع إمكانية تحديث جميع الوظائف بشكل مستمر دون أي تدخل مادي.
3. فصل البرمجيات عن الهاردوير
أحد أهم التحسينات في منصة Neue Klasse هو فصل البرمجيات عن الهاردوير. هذا يعني أن BMW يمكنها ترقية أو تعديل وظائف السيارة عبر تحديثات برمجية، دون الحاجة لتغيير أي قطعة مادية داخل السيارة.
الفوائد العملية لهذه الميزة:
1. وحدة الديناميكيات الأساسية (Powertrain & Chassis Control)
هذه الوحدة هي قلب السيارة من ناحية الأداء الحركي. تتحكم بشكل مباشر في:
- التسارع: تنسق بين محركات السيارة المختلفة لتوفير قوة دفع متوازنة وفعّالة، سواء عند الانطلاق السريع أو القيادة الاقتصادية.
- الكبح: إدارة المكابح التقليدية والفرملة التجديدية (Regenerative Braking) بحيث تعيد الطاقة للبطارية أثناء التباطؤ، وتوفر استجابة دقيقة عند الضغط على دواسة الفرامل.
- التوجيه: التحكم في نظام التوجيه الكهربائي لتوفير دقة عالية في المناورات والاستجابة السريعة لتغيرات الطريق.
التفسير الموسع: هذه الوحدة تستخدم خوارزميات ذكية لتحليل بيانات المستشعرات اللحظية، مثل زاوية التوجيه، سرعة العجلات، وزاوية الميلان، لتقديم توازن ديناميكي مثالي في جميع ظروف القيادة. على سبيل المثال، عند الانعطاف الحاد بسرعة، تقوم الوحدة بتوزيع القوة بين العجلات الأمامية والخلفية لتجنب الانزلاق، بينما تزيد الاستجابة للمكابح لتحسين الثبات. بفضل الاتصال الفوري مع بقية وحدات السيارة عبر شبكة Ethernet، يمكن لهذه الوحدة التفاعل مع نظام القيادة الذاتية، أو ضبط إعدادات التعليق وفقًا لطبيعة الطريق أو ظروف الطقس.
2. وحدة القيادة الذاتية والمساعدة الذكية (Autonomous Driving & ADAS)
تركز هذه الوحدة على الأمان والمساعدة المتقدمة للسائق وتشمل:
- المستشعرات والكاميرات: تقوم بمراقبة المحيط، اكتشاف السيارات والمشاة، وقراءة علامات الطريق.
- أنظمة الرادار والليدار: لتقدير المسافات بدقة عالية ولتحديد حركة السيارات الأخرى بسرعة لحظية.
- وظائف المساعدة الذكية: مثل التحكم في المسار، مساعدة الركن، التنبيه عند الاصطدام، والقيادة شبه الذاتية على الطرق السريعة.
هذه الوحدة تعمل بشكل مستمر على تحليل البيانات الحية من جميع المستشعرات، وتصدر أوامر مباشرة لوحدة الديناميكيات الأساسية للتدخل عند الحاجة، مثل كبح السيارة تلقائيًا إذا تم اكتشاف خطر أمامها، أو تعديل التسارع عند وجود سيارة في الطريق. كما تدعم التحكم الجزئي أو الكامل في السيارة في بيئات محددة، مع القدرة على التواصل مع باقي وحدات السيارة لضمان تجربة قيادة سلسة وآمنة. هذه الوحدة هي التي تجعل السيارة قادرة على التعلم من القيادة وتحسين استجابتها على مر الوقت من خلال تحديثات برمجية دورية.
3. وحدة الترفيه والمعلومات (Infotainment & Connectivity)
تركز هذه الوحدة على تجربة المستخدم الداخلية والترفيهية وتشمل:
- إدارة الصوت: تشغيل الموسيقى، أوامر الصوت، وتوفير جودة صوت ممتازة داخل السيارة.
- الشاشات وأنظمة العرض: مثل شاشات اللمس، لوحة العدادات الرقمية، وشاشات الركاب الخلفية.
- الاتصال: الاتصال بالهاتف الذكي، الإنترنت، والأنظمة السحابية لتحديث التطبيقات والملاحة.
التفسير الموسع: هذه الوحدة ليست مجرد نظام موسيقى أو خرائط، بل هي نظام معلومات متكامل يدمج كل بيانات السيارة مع تجربة المستخدم. على سبيل المثال، يمكنه عرض بيانات البطارية ومعدل الاستهلاك على شاشة الملاحة، أو تعديل إعدادات المناخ تلقائيًا حسب تفضيلات السائق المخزنة في الحساب الشخصي. كما تتواصل هذه الوحدة مع وحدات أخرى لتوفير إشعارات أمان، مثل تنبيه السائق عند انخفاض ضغط الإطارات، أو اقتراح تغييرات في السرعة بناءً على حركة المرور الحية. باختصار، هي المركز العصبي للتفاعل مع الركاب.
4. وحدة الراحة والوظائف الثانوية (Comfort & Auxiliary Systems)
تركز هذه الوحدة على إدارة وظائف السيارة غير الأساسية للحركة، بما يشمل:
- المناخ داخل السيارة: التحكم في درجة الحرارة، التهوية، ونظام التكييف الذكي.
- المقاعد: تعديل المقاعد كهربائيًا حسب تفضيلات المستخدم، تدفئة وتبريد المقاعد، ودعم أوضاع الذاكرة.
- الإضاءة الداخلية والخارجية: ضبط الأجواء الداخلية، المصابيح الأمامية التكيفية، وإشارات الانعطاف الذكية.
- الوظائف الثانوية الأخرى: مثل النوافذ، السقف البانورامي، ومساند اليد الإلكترونية.
التفسير الموسع: هذه الوحدة تتحكم في كل ما يجعل تجربة القيادة مريحة ومرنة. على سبيل المثال، عند دخول السيارة في صباح بارد، يقوم النظام تلقائيًا بتدفئة المقاعد وضبط المناخ الداخلي وفقًا لتفضيلات المستخدم المخزنة، بينما تعمل الإضاءة الداخلية على تهيئة الجو المناسب للركاب. كما يمكن للبرمجيات التواصل مع وحدة الترفيه لضبط الصوت والإضاءة وفقًا للموسيقى أو وضع القيادة، ما يجعل تجربة القيادة أكثر تفاعلية وشخصية.
باختصار، السيارة تصبح أكثر ذكاءً مع مرور الوقت، ويمكن أن تتحسن وظائفها حتى بعد عدة سنوات من الشراء.
4. العقول الأربعة “Superbrains”
في قلب منصة Neue Klasse توجد أربع وحدات حاسوبية عالية الأداء تُعرف بـ Superbrains. كل وحدة تتخصص بمجال محدد لتوزيع الحمل وتحسين الأداء:
- وحدة الديناميكيات الأساسية: التحكم في التسارع، الكبح، والتوجيه.
- وحدة القيادة الذاتية والمساعدة الذكية: تشمل المستشعرات والكاميرات وأنظمة الرادار.
- وحدة الترفيه والمعلومات (Infotainment): إدارة الصوت، الشاشة، وأنظمة الاتصال.
- وحدة الراحة والوظائف الثانوية: التحكم في المناخ، المقاعد، والإضاءة الداخلية.
كل وحدة تتصل بالأخرى عبر شبكة Ethernet عالية السرعة، مما يسمح بتبادل البيانات بشكل سريع ودقيق، ويقلل من التأخير ويزيد من استجابة السيارة للأوامر.
5. تصميم Zonal Architecture وفوائده
منصة BMW Neue Klasse تعتمد على تصميم المناطق الكهربائية (Zonal Architecture)، حيث يتم تقسيم الشبكة الكهربائية إلى مناطق مستقلة، لكل منطقة مهام محددة، ما يوفر العديد من المزايا:
- اختزال الأسلاك: يقل طول الكابلات بمئات الأمتار مقارنة بالتصاميم القديمة، ما يقلل الوزن والتعقيد.
- زيادة كفاءة الطاقة: يمكن للبرمجيات التحكم في تشغيل أو إيقاف الأجهزة حسب الحاجة لتقليل استهلاك الطاقة.
- تبسيط الصيانة: الأعطال تكون محدودة لكل منطقة، ويسهل إصلاحها دون الحاجة لفحص الشبكة كاملة.
- تحسين الأداء العام للسيارة: التحكم الذكي يضمن استجابة أسرع وأداء أكثر استقرارًا في جميع الظروف.
6. تجربة المستخدم اليومية
على الرغم من التعقيد التقني، فإن هذه التطورات تؤثر مباشرة على تجربة السائق:
- السيارة تتحسن مع كل تحديث برمجي.
- أداء الديناميكيات أكثر سلاسة واستجابة.
- الأمان أعلى مع تقليل احتمالية الأعطال الكهربائية.
- يمكن للمستخدم الحصول على ميزات جديدة دون الحاجة لمركز الصيانة، مثل تحسين أداء البطارية أو إضافة وظائف جديدة للراحة والترفيه.
7. الشراكة بين BMW وInfineon وأثرها على الصناعة
شراكة BMW مع Infineon ليست مجرد تعاون تقني، بل رؤية استراتيجية لمستقبل السيارات الكهربائية. من خلال هذه الشراكة:
- يتم دمج أفضل المكونات الإلكترونية مع أفضل البرمجيات لضمان أداء ممتاز.
- السيارات تصبح أكثر قابلية للتحديث والتكيف مع التغيرات المستقبلية.
- صناعة السيارات تتجه نحو اعتماد أكبر على الذكاء الصناعي والبرمجيات بدل الاعتماد فقط على الهاردوير.
8. مستقبل السيارات الكهربائية Software‑Defined
منصة Neue Klasse مثال واضح على كيف أن الرقمنة والبرمجيات أصبحت قلب السيارة الكهربائية الحديثة. السيارات المستقبلية لن تكون مجرد وسيلة نقل، بل نظام متكامل من البرمجيات والأجهزة يتطور مع مرور الوقت.
- التحديثات الدورية تجعل السيارة أكثر ذكاءً وكفاءة.
- التحكم المركزي يقلل من احتمالية الأعطال ويزيد أمان السيارة.
- يمكن للمستخدم الحصول على تجربة قيادة متطورة باستمرار بدون الحاجة لمراكز صيانة متكررة.
خاتمة
منصة BMW Neue Klasse، المدعومة بحلول Infineon المتطورة، تمثل نقلة نوعية في صناعة السيارات الكهربائية. الجمع بين البرمجيات المتطورة، الهاردوير الذكي، وتصميم البنية المتكاملة يجعل السيارات المستقبلية أكثر أمانًا، أكثر ذكاءً، وأكثر قدرة على التكيف مع المستقبل.
هذه المنصة تثبت أن الابتكار في السيارات الكهربائية لا يقتصر على البطارية أو المحرك، بل يشمل كل جزء من السيارة، من الإلكترونيات إلى البرمجيات، لتقديم تجربة قيادة متكاملة ومتطورة للمستخدمين حول العالم.