مع التقدم السريع في صناعة السيارات الكهربائية والقيادة الذاتية، أصبحت تجربة المستخدم والتصميم الداخلي للسيارة محور اهتمام كبير. ليس الهدف فقط تحسين الأداء أو زيادة المدى الكهربائي، بل أصبح السلامة وأمان السائقين والركاب أحد أهم عوامل التصميم. خلال العقد الماضي، شهدنا ظهور مقود سيارات غير تقليدي، مثل المقود على شكل حرف “U” أو شبه المستطيل، الذي استخدم في بعض طرازات Tesla وLexus وBMW، بهدف منح تجربة قيادة مستقبلية ومبتكرة، مع إعطاء مزيد من الحرية في تصميم المقصورة الداخلية.لكن، لم تخلُ هذه التصاميم من المخاطر الواضحة على السلامة. الدراسات والإحصاءات أظهرت أن المقود في السيارات الكهربائية غير التقليدي قد يزيد من احتمالية الإصابات عند الحوادث، خاصة فيما يتعلق بتوافق الوسائد الهوائية وتصميم منطقة امتصاص الصدمات.
في خطوة تهدف إلى حماية السائقين والركاب في أكبر سوق سيارات كهربائية في العالم، أعلنت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية عن إصدار معيار جديد باسم GB 11557‑202X، يلزم جميع الشركات المصنعة للسيارات الكهربائية باستخدام المقود التقليدي الدائري الشكل في جميع الطرازات الجديدة بدءًا من 1 يناير 2027، مع مهلة محددة لتعديل الطرازات الحالية.
هذا القرار لا يؤثر فقط على السوق الصيني، بل قد يكون له انعكاسات عالمية على تصميم السيارات الكهربائية والقيادة الذاتية، خصوصًا مع توسع السيارات التي تعتمد على أنظمة steer‑by‑wire أو بدون مقود تقليدي.
1. تاريخ تطور المقود في السيارات الكهربائية
1.1 المقود التقليدي
المقود الدائري التقليدي ظهر لأول مرة في أوائل القرن العشرين، وسرعان ما أصبح معيارًا عالميًا. المزايا الأساسية لهذا التصميم تشمل:
- توافق كامل مع الوسائد الهوائية: تصميم المقود يتيح توزيع قوة الاصطدام بشكل يقلل من الإصابات.
- سهولة التحكم اليدوي: يسمح للسائق برد فعل سريع ومباشر في حالات الطوارئ.
- اعتمادية عالية: تصميم ميكانيكي بسيط يقلل من احتمالية الأعطال الكهربائية أو الإلكترونية.
حتى في السيارات الكهربائية الأولى، مثل Nissan Leaf وBMW i3، حافظ المصممون على المقود التقليدي، مع إدخال تحسينات على المواد والخامات لتوفير راحة أكبر للسائق.
1.2 المقود الحديث والتجريبي
مع دخول Tesla وLexus وBMW في سباق الابتكار، ظهرت تصاميم مبتكرة:
- المقود على شكل U: يختصر طول المقود ويسمح بوصول أسهل للركاب إلى لوحة العدادات، لكنه يقلل من مجال القبضة الطبيعي للسائق.
- المقود شبه المستطيل أو Flat-bottom: يوفر مساحة أكبر للقدمين وتحسين تجربة الدخول والخروج، لكنه قد يؤثر على توزيع القوة عند الحوادث.
- Steer‑by‑Wire: إزالة العمود الميكانيكي والتحكم إلكترونيًا، ما يتيح تصميم حر تمامًا للمقود، لكنه يعتمد على البرمجيات بشكل كامل ويزيد من المخاطر في حال حدوث خلل برمجي أو كهربائي.
هذه التصاميم ركزت على جذب المستخدمين الباحثين عن تجربة مستقبلية، لكنها أظهرت ضرورة إعادة تقييم السلامة والتوافق مع أنظمة الوسائد الهوائية.

2. معيار السلامة الجديد في الصين GB 11557‑202X
2.1 خلفية إصدار المعيار
الصين تعد أكبر سوق سيارات في العالم، خاصة للسيارات الكهربائية، وتولي اهتمامًا كبيرًا لسلامة الركاب والسائقين. في السنوات الأخيرة، مع ظهور تصميمات مقود مبتكرة وغير تقليدية مثل المقود على شكل حرف “U” أو شبه المستطيل، ظهرت تحديات كبيرة تتعلق بالسلامة. هذه التصاميم كانت تهدف إلى:
- تحسين تجربة القيادة المستقبلية
- توفير مساحة أكبر في المقصورة الداخلية
- جذب العملاء الباحثين عن ابتكار في التصميم الداخلي
لكن الدراسات والتقارير أظهرت أن هذه التصاميم تزيد من خطورة الإصابات عند الحوادث، خصوصًا عند الاصطدام الأمامي أو الجانبي، وذلك بسبب تقييد مجال القبضة الطبيعي للسائق وعدم توافقها الكامل مع الوسائد الهوائية التقليدية.
إحصاءات الوزارة الصينية أشارت إلى أن حوالي 46% من الإصابات الخطيرة المتعلقة بالمقود تحدث نتيجة هذه التصاميم غير التقليدية، وهو ما دفع السلطات لإصدار معيار صارم لضمان سلامة السائقين والركاب.
2.2 أهداف المعيار GB 11557‑202X
الهدف الأساسي من المعيار هو ضمان أعلى مستويات السلامة مع استمرار الابتكار في السيارات الكهربائية. الأهداف الرئيسية تشمل:
- حماية السائق والركاب من الإصابات: أي مقود غير تقليدي يمكن أن يزيد من خطر الإصابات الصدرية أو الوجهية عند الحوادث.
- ضمان توافق الوسائد الهوائية: الوسائد الهوائية التقليدية تعمل بشكل مثالي فقط مع المقود الدائري أو شبه الدائري، أما التصاميم المبتكرة فتؤثر على انتفاخ الوسادة الهوائية وزمن تفاعلها.
- توفير فترة انتقالية للشركات: المعيار منح الشركات المصنعة مهلة 13 شهرًا لتعديل التصميمات الحالية وضمان توافقها قبل منع الطرازات الجديدة.
- تحقيق توحيد عالمي في السلامة: الصين تهدف من خلال هذا القرار إلى أن يكون تصميم المقود معيارًا عالميًا للسلامة، يؤثر على التصاميم المستقبلية في أوروبا وأمريكا.
2.3 البنود الرئيسية للمعيار
المعيار يشمل عدة بنود تقنية وقانونية، أهمها:
- حظر المقود غير الدائري (U‑shape، Flat‑bottom):
- أي سيارة جديدة تحتوي على مقود غير دائري الشكل لن يُعتمد في السوق الصينية بعد 1 يناير 2027.
- يشمل هذا المنع جميع السيارات الكهربائية والهجينة، بغض النظر عن نوع القيادة الذاتية.
- توافق مع الوسائد الهوائية:
- المقود يجب أن يسمح للوسادة الهوائية بالانتفاخ بشكل صحيح، مع توزيع قوة الاصطدام على منطقة أكبر لتقليل الإصابات.
- اختبارات اصطدام صارمة تشمل الاصطدام الأمامي والجانبي، مع مراقبة تحرك رأس وصدور الدمى الاختبارية لتقييم الأمان.
- اختبارات التحمل الميكانيكي والإلكتروني:
- حتى المقود التقليدي يجب أن ينجو من اختبارات طويلة الأمد للتحقق من متانته ضد التآكل والكسر.
- تشمل الاختبارات مقاومة الضغط والاهتزاز، خصوصًا في السيارات الكهربائية التي تحتوي على بطاريات ثقيلة تؤثر على وزن القيادة.
- تعديل الطرازات الحالية:
- الشركات المصنعة لديها 13 شهرًا فقط لتحديث المقود في الطرازات الحالية.
- أي طراز لم يحقق هذه المعايير لن يتم اعتماده للتوزيع في الصين بعد تاريخ التنفيذ.
- التوافق مع أنظمة القيادة الذاتية:
- المقود التقليدي يجب أن يكون قادرًا على العمل مع أنظمة القيادة الذاتية الجزئية أو الكاملة، بما يضمن قدرة السائق على استعادة السيطرة عند الحاجة.
- حتى مع steer‑by‑wire، يجب أن يتوافق التصميم مع معايير السلامة الميكانيكية والإلكترونية.
2.4 الأساس العلمي وراء القرار
قرار الصين لا يعتمد فقط على الإحصاءات، بل على أسس علمية وتقنية:
- تحليل التصادم (Crash Analysis): أظهرت المحاكاة أن المقود U‑shape يقلل من فعالية الوسائد الهوائية بنسبة تصل إلى 20% في الحوادث الأمامية.
- توزيع القوة على الجسم: المقود الدائري يوفر توزيعًا متساويًا لقوة الاصطدام على الصدر والكتفين، بينما التصميم المبتكر يركز القوة على منطقة أصغر، مما يزيد خطر الكسور أو الإصابات الداخلية.
- ردود الفعل السائقية: الدراسات أظهرت أن السائقين يجدون صعوبة في التحكم الكامل عند الانعطاف الحاد أو الكبح المفاجئ باستخدام المقود غير التقليدي، خصوصًا عند السرعات العالية.
2.5 أثر القرار على السوق الصيني
القرار له تأثيرات مباشرة:
- الشركات المصنعة: Tesla، Lexus، BMW، Nio وغيرها ستعيد تصميم المقود في الطرازات القادمة.
- التصاميم الحالية: الشركات لديها وقت محدود لتعديل السيارات الحالية قبل أن يتم منع اعتمادها.
- المستهلكون: التغييرات ستقلل خيارات التصميم، لكنها ستزيد من الأمان والثقة في السيارات الكهربائية.
- المستقبل العالمي: الصين كبؤرة صناعية عالمية، قراراتها تؤثر على التصميمات التي تُصدّر للأسواق الأوروبية والأمريكية، وقد تصبح هذه القواعد معيارًا عالميًا للمقودات الكهربائية.
2.6 التوازن بين الأمان والابتكار
الهدف من GB 11557‑202X ليس مجرد حظر الابتكار، بل إيجاد توازن ذكي بين التصميم الحديث والسلامة:
ستظل الراحة والتكنولوجيا جزءًا من التجربة، لكن الأمان سيكون الأولوية العليا.
السيارات المستقبلية ستستمر في تقديم تصاميم جذابة، لكن مع الالتزام بالشكل الدائري أو شبه الدائري للمقود.
أي ابتكار مثل steer‑by‑wire يجب أن يثبت أنه آمن تمامًا قبل اعتماده.
3. تأثير القرار على الشركات المصنعة للسيارات الكهربائية

3.1 Tesla
- سيارات Model S Plaid وModel X كانت تعتمد أحيانًا على المقود شبه المستطيل.
- يجب تعديل التصميم لتجنب رفض الطراز في السوق الصيني.
- تعديلات التصميم قد تشمل تغيير شكل المقود مع الحفاظ على تجربة القيادة “المستقبلية” قدر الإمكان.
3.2 Lexus
- بعض الطرازات الكهربائية المستقبلية كانت تعتمد المقود U‑shape لتوفير مساحة داخلية أكبر.
- التعديل لتوافق المعيار سيحتاج إلى إعادة هندسة كاملة للمقصورة الداخلية.
3.3 BMW وNio
- المنصات الجديدة للسيارات الكهربائية يجب أن تراعي هذه المعايير منذ التصميم الأولي.
- تعديل التصاميم الحالية سيكون مكلفًا لكن ضروري لضمان الاعتماد في الصين، أكبر سوق للسيارات الكهربائية.
4. مقارنة مفصلة بين المقود التقليدي والمقود الحديث
| المعيار | المقود التقليدي | المقود U‑shape / Steer‑by‑Wire |
|---|---|---|
| الأمان | عالي | منخفض نسبيًا عند عدم توافق الوسائد الهوائية |
| التحكم اليدوي | طبيعي وسريع | محدود بسبب الشكل أو الاعتماد على البرمجيات |
| المساحة الداخلية | قياسية | أكبر، يسمح بحرية التصميم الداخلي |
| الاعتمادية | عالية | تعتمد على البرمجيات، احتمال الأعطال أعلى |
| قابلية التحديث | ثابت | يمكن التكيف مع أنظمة القيادة الذاتية |
5. مستقبل السيارات بدون مقود
على الرغم من حظر المقودات غير التقليدية، تتجه صناعة السيارات نحو:
- Steer‑by‑Wire مع مقود تقليدي: النظام الإلكتروني يتحكم في التوجيه، لكن الشكل الخارجي يبقى تقليديًا لتوافق السلامة.
- القيادة الذاتية الكاملة بدون مقود: ستحتاج إلى اختبارات صارمة لضمان أمان السائق والركاب.
- تحسين تصميم المقصورة الداخلية: تركيز على الراحة والوظائف الذكية دون المساس بمعايير السلامة.
6. السلامة والابتكار و التأثير العالمي
القرار الصيني يوضح أن السلامة أولوية أساسية يجب أن تتوازن مع الابتكار. أي تصميم جديد يجب أن يحقق ثلاثة أهداف:
- أمان السائق والركاب
- تجربة قيادة ممتازة
- التوافق مع أنظمة القيادة الذاتية والوسائد الهوائية
الشركات الآن أمام تحدٍ مزدوج: الابتكار والحفاظ على أعلى معايير السلامة.
- الشركات التي تصدر إلى الصين ستعيد تصميم المقود عالميًا لتجنب مشاكل الاستيراد.
- أوروبا وأمريكا قد تعتمد معايير مماثلة لاحقًا.
- الابتكار سيتجه نحو البرمجيات والقيادة الذكية أكثر من الشكل الفيزيائي للمقود.
خاتمة
قرار الصين بمنع المقود في السيارات الكهربائية غير التقليدي يمثل تحولًا مهمًا في صناعة السيارات الكهربائية. يفرض على الشركات إعادة التفكير في التصميم الداخلي مع الحفاظ على السلامة والأمان، بينما يبقى الابتكار في مجال القيادة الذكية والبرمجيات محور التطوير.
المستقبل يشير إلى توازن بين الأمان والتقنية الحديثة، حيث يبقى المقود التقليدي ضرورة في مرحلة الانتقال، بينما تتطور السيارات الذاتية القيادة بدون مقود بمجرد تحقيق معايير السلامة العالمية.
إذا أعجبك هذا الموضوع، ستجد هذا المقال مفيدًا: مقابض الأبواب المخفية في السيارات تهدد السلامة.. الصين تفرض الحظر